الثلاثاء، 12 مايو، 2009

عدم دستورية نص الماده 48 من قانون العقوبات المصري


باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 2 يونيه سنة 2001 الموافق العاشر من ربيع الأول سنة 1422 هـ

برئاسة السيد المستشار / محمد ولي الدين جلال رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين : حمدي محمد علي وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور .

وحضور السيد المستشار / محمد خيري طه عبد المطلب النجار رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد / ناصر أمام محمد حسن أمين السر

أصدرت الحكم الأتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 114 لسنة 21 قضائية " دستورية "

المقامة من

السيد / السعيد عيد طه نور

ضد

1- السيد رئيس الجمهورية

2- السيد وزير العدل

3-السيد رئيس مجلس الشعب

4- السيد النائب العام



الإجراءات

بتاريخ الثاني والعشرين من يونيو سنة 1999 أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحفية الدعوي الماثلة طالبا الحكم بعدم دستورية نص المادة 48 من قانون العقوبات .

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوي .

وبعد تحضير الدعوي ، وادعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها .

ونظرت الدعوي علي الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .

المحكمة

بعد الاطلاع علي الأوراق ، المداولة .

حيث أن الوقائع – علي ما يبين من صحفية الدعوي وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة العامة أحالت المدعي إلي محكمة جنايات طنطا ، متهمة أياة بأنه – بدائرة مركز زفتي محافظة الغربية – أحرز بغير ترخيص سلاحا ، واتفق مع أخر علي ارتكاب جنحة سرقة مرتبطة بجناية ارتكباها الأخير ، وأثناء نظر الدعوي دفع المدعي بعدم دستورية نص المادة 48 من قانون العقوبات ، فقدرت المحكمة الموضوع جدية هذا الدفع وصرحت له برفع الدعوي الدستورية فأقام الدعوي الماثلة .

وحيث أن المادة 48 من قانون العقوبات يجري نصها كالاتي :-

فقرة أولي يوجد اتفاق جنائي كلما اتحد شخصان فأكثر علي ارتكاب جناية أو جنحة ما أو علي الأعمال المجهزة أو المسهلة لارتكابها ، ويعتبر الاتفاق جنائيا سواء أكان الغرض منه جائز أن لا إذا كان ارتكاب الجنايات أو الجنح من الوسائل التي لوحظت في الوصول إليه .

فقرة ثانية وكل من اشتراك في اتفاق جنائي سواء كان الغرض منه ارتكاب الجنايات أو اتخذها وسيلة للوصول إلي الغرض من الاتفاق ارتكاب الجنح أو اتخاذها وسيلة للوصول إلي الغرض المقصود منه يعاقب المشترك فيه بالحبس .

فقرة ثالثة وكل من حرض علي اتفاق جنائي من هذا القبيل أو تداخل في إدارة حركته يعاب بالأشغال الشاقة المؤقتة في الحالة الأولي المنصوص عليها في الفقرة عليها في الفقرة السابقة وبالسجن في الحالة الثانية .

فقرة رابعة " ومع ذلك إذا لم يكن الغرض من الاتفاق إلا ارتكاب جناية أو جنحة معينة عقوبتها أخف مما نصت عليها الفقرات السابقة فلا توقع عقوبة أشد مما نص عليه القانون لتلك الجناية أو الجنحة .

فقرة خامسة " ويعفي من العقوبات المقررة في هذه المادة كل من بادر من الجناة بإخبار الحكومة بوجود اتفاق جنائي " بمن اشتركوا فيه قبل وقوع أيه جناية أو جنحة ،وقبل بحث وتفتيش الحكومة عن أولئك الجناة ، فاذا حصل الإخبار بعد البحث والتفتيش تعين أن يواصل الإخبار فعلا إلي ضبط الجناة الأخرين .

وحيث أن المدعي ينعى علي نص هذه المادة عدم بيانه للركن المادي للجريمة ، وذلك أن الركن المادي هو سلوك أو نشاط خارجي ، فلا جرينمة بغير فعل أو ترك ، ولا يجوز للمشرع الجنائي أن يعاقب علي مجرد الأفكار والنوايا ،باعتبار أن أوامر القانون ونواهيه لا تنتهك بالنية وحدها وأنما بالأفعال التي تصدر عن إدارة آثمة ؛ فضلا عن أن النص جاءت صياغته واسعة يمكن تحميلها بأكثر من معني وتتعدد تأويلاتها إذ ترك الأعمال المجهزة والمسهلة للجريمة لأجتهادات مختلفة مما يفقده خاصية البقين التي يجب توافرها في النصوص الجزائية .

وحيث أنه باستعراض التطور التاريخي للمادة 48 المشار إليها ، يبين أن المشرع المصري أدخل جريمة الاتفاق كجريمة الاتفاق الجنائي كجريمة قائمة بذاتها – تختلف عن الاتفاق كسيل من سبل المساهمة الجنائية – بالمادة 47 مكرره من قانون العقوبات الأهلي ، وكان ذلك بمناسبة اغتيال رئيس مجلس النظار سنة 1910 فقدمت النيابة العامة إلي قاضي الإحالة تسعة متهمين أولهم بتهمة القتل العمد مع يبق الأصرار والترصد ، والباقين بتهمة الاشتراك في القتل غير أن القاضي اقتصر علي تقديم الأول إلي محكمة الجنايات ورفض إحالة الباقين لعدم توافر اركان الجريمة قبلهم فتقدمت الحكومة إلي مجلس شوري القوانين بمشروع بإضافة نص المادة 47 مكررة إلي قانون العقوبات الأهلي – وهو يؤثم جريمة الاتفاق الجنائي المجرد علي ذات النحو الذي ورد بعد ذلك بالنص الطعين مع خلاف بسيط في الصياغة – غير أن المجلس عاض الموافقة علي المشرع مستندا إلي أن القانون المصري – كالقوانين الأخري – لا يعاقب علي شئ من الاعمال التي تتقدم الشروع في ارتكاب الجريمة كالتفكير والتصميم عليه واتفاق الفاعلين أو الفاعلين والشركاء علي كيفية ارتكابها ولا علي إتيان الأعمال المجهزة أو المحضرة لها . وعرج المجلس إلي المقارنة بين النص المقترح ونظيرة في القانون والمقارن موضحا أن القانون الفرنسي يشترط للتجريم وجود جمعية من البغاة أو اتفاق بين عدة اشخاص وان يكون غرض الجمعية أو الاتفاق تحضير أو ارتكاب جنايات علي الأشخاص والأموال . وأشار المجلس إلي أنه إذا كانت هناك حاجة للاستثناء من ذلك فيجب أن يكون بقدر الضرورة التي يتقضها حفظ النظام ، وانه لأجل أن تكون المادة 47 مكررة مقيسة بمقياس الضرورة النافعة فيجب ألا تشمل سوى الجمعيات التي يخشي منها علي ما يجب للموظفين العموميين أو السياسيين من الطمأنينة ، أو بعبارة أخري يجب أن لا يقصد منها إلا حماية نظام الحكومة ، فلا يشمل النص الأحوال الأخري كالاتفاقات الجنائية التي تقع بين شخصين أو أكثر علي ارتكاب جناية أو جنحة تدخل في باب الجرائم العادية كجرائم السرقة أو الضرب أو التزوير أو غير ذلك من الجرائم الواقعة علي الأشخاص وعلي الأموال ؛ غير أن نظارة الحقانية رفضت اقتراح المجلس أذ رأته يثير صعوبات كبيرة في العمل ويفتقد الضمانات الفعالة ضد الاتفاقات التي تكون غايتها تحقيق المقاصد السياسية بطريق القوة ، وأضافت أن القانون الجديد لم يوضع إلا للأحوال التي جعل الأمن العام في خطر ، ولن يعمل به أصلا بما جعله مهددا للحرية الشخصية ، والمأمول أن لا تدعو الأحوال إلي تطبيق هذا القانون إلا في النادر كما في البلاد التي استقي منها . وصدر نص المادة 47 مكرره عقوبات أهلي معاقبا علي الاتفاق الجنائي ، بعد أن برر مستشار الحكومة استعمال المشرع لتعبير الاتفاق الجنائي بديلا عن كلمة assocination الواردة في القانون الفرنسي – والتي جاءت أيضا في النسخة الفرنسية لقانون العقوبات الأهلي – بأن اللفظ الأخير قد يفيد قدرا من التنظيم والاستمرار .

وحيث أن أحكام القضاء في شأن جريمة الاتفاق الجنائي – كجريمة قائمة بذاتها – اتجهت في البداية إلي وجوب قيام اتفاق منظم ولم في مبدأ تكوينه وأن يكون مستمرا ولو لمدة من الزمن ، واستند القضاء في ذلك إلي الاسترشاد بالفكرة التي حملت المشرع إلي تجريم الاتفاق الجنائي ، غير أنه عدل عن هذا الاتجاه فقضي بأن مجرد الاتفاق علي ارتكاب جناية أو جنحة كاف بذاته لتكوين جريمة الاتفاق الجنائي بلا حاجة إلي تنظيم ولا إلي استمرار ، وقد أشير في بداية هذا العدول إلي أن المادة 47 مكررة عقوبات أهلي هي في حقيقة الواقع من مشكلات القانون التي لا حل لها لأنها أتت بمبدأ يلقي الاضطراب الشديد في بعض أصول القانون الأساسية ، وأن عبارات التنظيم والاستمرار هي عبارات اضطرت المحاكم للقول بها من طغيان هذه المادة ، والظاهرة – من الأعمال التحضيرية للنص – أن مراد واضعية أن يكون بيد الحكومة أداه تستعملها عند الضرورة وفي الاحوال الخطرة استعمالا لا يكون في اتساع ميدانه وشموله محلا للتأويل من جهة القضاء التي تطبقه ، وان الاجدار معاودة النظر في ذلك النص بما يوائم بين الحفاظ علي النظام والأمن العام من جهة ويزيل اللبس والخلط من بينه والمبادئ الأخرى ، وإلي أن يتم ذلك فلا سبيل لتفادي إشكال هذا النص ومنع أضراره ، إلا ما حرصت عليه النيابة العامة من عدم طلب تطبيقه إلا في الاحوال الخطرة علي الأمن العام . وإذا كان المشرع قد عاد النظر مرتين في المادة سالفة الذكر سنتي 1933 ، 1937 إلا أنه ظل علي فكرته الأساسية فيها التي تقوم علي عقاب الاتفاق البسيط علي ارتكاب اية جناية أو جنحة ، ولو لم تقع أية جريمة نتيجة لذلك الاتفاق .

وحيث أن نص المادة 48 المشار إليها كان محل انتقاد اللجنة التي شكلت لوضع أخر مشروع حديث متكامل لقانون العقوبات – خلال الوحدة بين مصر وسوريا تحت إشراف مستشار رئيس الجمهورية للشئون القانونية أنذاك –برئاسة الاستاذ علي بدوي وزير العدل وعميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة الأسبق وعضوية كل من رئيس الدائرة الجنائية بمحكمة النقض والمستشار عادل يونس والدكتور علي راشد أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق بجماعة عين شمس . . . وغيرهم ، حيث ورد بالمذكرة الإيضاحية للمشروع أنه قد أصلح من أحكام جريمة الاتفاق الجنائي التي تم وضع نصها في ظروف استثنائية والتي لم يكن لها نظير . . . وأعيدت أحكامها بحيث تتفق مع اتجاهات التشريع الحديث ؛ وأختتمت تلك المذكرة بأنه قد رؤى أنه من الأفضل أن يلحق بالنصوص المقترحة ما يتصل بها من تعليقات وإيضاحات مبررة لها أو مفسرة لأحكامها كترجمة مباشرة لأفكار من اشتركوا في صوغ أحكامه وقت مناقشتها مما لا يتوافر عادة في المذكرات الإيضاحية . . . فضلا عن ميزة تسهيل الوقوف علي مقاصد النصوص التي تم التوصل إليها بإجماع الآراء . . . وبذلك يكون المشروع خلاصة لأعمال لجان متعددة ومشاريع استغرق وضعها سنين طويلة الأمد ، روجعت علي ضوء القانون المقارن والفقه الحديث ونشاط المؤتمرات الدولية ليكون ذلك القانون مرآة لما بلغته الجمهورية من تطور مرموق في الميدان التشريعي . وفي مقام التعليق علي نص المشروع في المادة 59 منه ( المقابلة للمادة 48 من قانون العقوبات ) أوردت اللجنة أنها رأت بمناسبة وضع التشريع الجديد أن جريمة الاتفاق الجنائي علي الوضع المقرر في التشريع المصري الحالي في المادة 48 إنما هو نظام استثنائي اقتضت إنشاء ظروف استثنائية ويندر وجود نظير له في الشرائع الأخري الحديثة . . هذا فضلا عما أفضي إليه تطبيقه من الاضطراب والجدل في تفسير أحكامه ، ولذلك فضلن اللجنة العدول عنه في المشروع الجديد اكتفاء بجرائم الاتفاقات الخاصة التي نص عليها القانون في حالات معينة بارزة الخطورة يضاف إلي ذلك أن اللجنة رأت . .

اعتبار تعدد المجرمين . . ظرفا مشددا إذا وقعت الجريمة بناء علي اتفاقهم السابق ، فإذا بقي الاتفاق بغير نتيجة كان هناك محل لتوقيع التدابير الاحترازية التي يقررها القانون . . . بدلا من توقيع العقوبات العادية .

وتحديدا لمعني الخطورة . . استرط النص أن يقع الاتفاق بين ثلاثة علي الأقل حتي يتحقق الظرف المشدد أو يتوافر شرط توقيع التدابير الاحترازية وليس المراد بالاتفاق في هذه الحالة مجرد التفاهم العرضي وإنما هو الاتفاق المصمم عليه الذي تدبر فيه الجريمة وكيفية ارتكابها ، وهذا النوع من الأتفاق هو الذي يبلغ درجة من الخطورة تقتضي معالجتها تشريعيا بتشديد العقاب إذا وقعت الجريمة المدبرة ، أو بتوقيع التدابير الاحترازية التي يقررها القانون . . . إذا لم تقع الجريمة ، والمفهوم من تعبير وقوع الجريمة نتيجة للأتفاق .

هو أن تقع الجريمة تامة أو مشروعا فيها شروعا معاقبا عليه .

وحيث أنه إذا كان الهدف من التجريم قديما هو مجرد مجازاة عن جريمة التي اقترفها فقد تطور هذا الهدف في التشريع الحديث ليصبح منع الجريمة سواء كان المنع ابتداء أو ردع الغير عن ارتكاب مثلها فالاتجاهات المعاصرة للسياسية الجنائية في مختلف الدول تتجه – كما تشير المؤتمرات المتعاقبة للأمم المتحدة بشأن منع الجريمة ومعاملة المجرمين إلي أهمية اتخاذ التدابير المانعة لوقوع الجريمة وسن النصوص التي تكفل وقاية المجتمع منها وتجريم الاشتراك في الجمعيات الإجرامية وتنمية التعاون الدولي لمكافحة الجريمة المنظمة ؛ إلا أن شرعية النصوص التي تتخذ كوسيلة لتحقيق هذه الأهداف مناطها توافقها وأحكام الدستور واتفاقها ومبادئه ومقتضاه ، ومن ثم يتعين علي المشرع – في هذا المقام – إجراء موازنه دقيقه بين مصلحة المجتمع والحرص علي أمنه واستقراره من جهة ، وحريات وحقوق الأفراد من جهة أخري .

وحيث أن الدستور ينص في المادة 41 علي أن " الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس . . . كما ينص في المادة 66 علي أن العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء علي قانون ، ولا توقع العقوبة إلا بحكم قضائي ، ولا عقاب إلا علي الافعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون ، كما حرص في المادة 67 علي تقرير إفتراض البراءة فالمتهم برئ إلي أن تثبيت إدانته في محاكمة منصفه تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه . وحيث أن الدستور – بنص المادة 66 سالفة الذكر – قد دل علي أن لكل جريمة ركنا ماديا لاقوام لها بغيره يتمثل أساسا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي ، مفصحا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء في زواجره ونواهيه هو مادية الفعل المؤاخذ علي ارتكابه إيجابيا كان هذا الفعل أم سلبيا ، وذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه علي المخاطبين بأحكامه ، ومحورها الأفعال ذاتها ، في علاماتها الخارجية ، ومظاهرها الواقعية ، وخصائصها المادية ، إذ هي مناط التأثيم وعلته ، هي التي يتصور إثباتها ونفيها ، وهي التي يتم التمييز علي ضوئها بين الجرائم بعضها البعض وهي التي تديرها محكمة الموضوع علي حكم العقل لتقيمها وتقدير العقوبة المناسبة لها ، ولا يتصور بالتالي وفقا لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي ولا إقامة الدليل علي توافر السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحداثها بعيدا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه . ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإدارة البشرية – وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته – تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكا خارجيا مؤاخذ عليه قانوناً فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها ، والتعبير عنها خارجيا في صورة مادية لا تخطئها العين فليس ثمة جريمة . وحيث أنه من القواعد المبدئية التي يتطلبها الدستور في القوانين الجزئية ، أن تكون درجة اليقين التي تنتظم أحكامها في أعلي مستوياتها ، وأظهر في هذه القوانين منها في أية تشريعات أخري ، وذلك أن القوانين الجزائية تفرض علي الحرية الشخصية أخطر القيود وأبغلها أثرا ، ويتعين بالتالي – ضمانا لهذه الحرية – أن تكون الأفعال التي تؤثمها هذه القوانين محدده بصورة قاطعه بما يحول دون التباسها بغيرها ، وأن تكون تلك القوانين جلية واضحة في بيان الحدود الضيقة لنوهيها ، وذلك أن التجهيل بها أو انبهامها في بعض جوانبها لا يجعل المخاطبين بها علي بينه من حقيقة الأفعال التي يتعين عليهم تجنبها . كذلك فإن غموض مضمون النص العقابي مؤاده أن يحال بين محكمة الموضوع وبين أعمال قواعد منضبطة تعين لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لاخفاء فيه وهي قواعد لا ترخص فيها وتمثل إطارا لعملها لا يجوز تجاوزه ، ذلك أن الغاية التي يتوخاها الدستور هي أن توافر لكل مواطن الفرص الكاملة لمباشرة وحرياته في إطار من الضوابط التي قيدها بها ولازم ذلك أن تكون القيود علي الحرية التي تفرضها القوانين الجزائية ، محدده بصورة يقينية لأنها تدعو المخاطبين بها إلي الامتثال لها لكي يدفعوا عن حقهم في الحياة وكذلك عن حرياتهم تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة بحيث لا يتم تجاوز الحدود التي اعتبرها الدستور مجالا حيويا لمباشرة الحقوق والحريات التي كفلها ، وهو ما يخل في النهاية بالضوابط الجوهرية التي يقوم عليها المحاكمة المنصفة وفقا لنص المادة 67 من الدستور .

وحيث أن البين من استقراء نص الفقرة الأولي من المادة 48 المشار أنها عرفت الاتفاق الجنائي بأنه شخصين أو أكثر علي ارتكاب جناية أو جنحة أو علي الأعمال المجهزة أو المسهلة لارتكابها ، ولم يشترط النص عددا أكثر من اثنين لقيام الجريمة كما لم يتطلب أن يستمر الاتفاق لمدة معينة أو أن يكون علي قدر من التنظيم وقد يكون محل الاتفاق عدة جنايات ، أو مجموعة جرائم مختلطة من النوعين معا ، كما لا يرد الاتفاق الا على جناية أو جنحة واحدة ، ولم يستلزم النص ان تكون الجريمة أو الجرائم المتفق على ارتكابها على درجة من الجسامة ، بل قد يكون محل الاتفاق اقتراف أي جنحة مهما كانت قليلة الأهمية في دلالتها الإجرامية ، كما انه ليس بلازم ان تتعين الجناية أو الجنحة محل الاتفاق كما لو تم الاتفاق على استعمال العنف – بأي درجة – لتحقيق غاية الاتفاق ، سواء كانت هذه الغاية في في ذاته مشروعة أو غير مشروعه ، ومن ثم فان نطاق التجريم واسعا فضفاضا لا تقتضيه ضرورة اجتماعية مبرره .

وحيث أن قضاء هذه المحكمة علي أن شرعية الجزاء – جنائيا كان أم مدنيا أم تأديبيا – مناطها أن يكون متناسبا مع الأفعال التي أثمها المشرع أو حظرها أو قيد مباشرتها فالأصل في العقوبة هو معقوليتها فكلما كان الجزاء الجنائي بغيضا أو عاتيا أو كان متصلا بأفعال لا يسوغ تجريمها أو مجافيا بصورة ظاهرة للحدود التي يكون معها متناسبا مع خطورة الأفعال التي أثمها المشرع ، فأنه يفقد مبررات وجوده ويصبح تقييده للحرية الشخصية اعتسافا ؛ متي كان ذلك ، وكانت الفقرة الثانية من المادة 48 تقرر عقوبة السجن علي الاتفاق الجنائي علي ارتكاب جناية ، وكانت عقوبة السجن هي وضع المحكوم عليه في أحد السجون العمومية وتشغيله داخل السجن أو خارجه في الأعمال التي تعينها الحكومة المدة المحكوم بها عليه ، ولا يجوز أن تنقص عن ثلاث سنوات ولا يزيد علي خمس عشرة سنة إلا في الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانونا بينما هناك جنايات كثيرة حدد المشرع العقوبة فيها بالسجن مدة لا تقل عن خمس عشر سنة ؛ كما تنص ذات الفقرة علي أن عقوبة الاتفاق الجنائي علي ارتكاب الجنح هي الحبس أي وضع المحكوم عليه في أحد السجون المركزية أو العمومية المدة المحكوم بها عليه وحدها الأدنى أربع عشرون ساعة ولا تزيد علي ثلاث سنوات إلا في الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانونا ، بينما هناك جنح متعددة حدد المشرع العقوبة فيها بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات وهو ما يكشف عن عدم تناسب العقوبات الواردة في الفقرة الثانية من النص المطعون فيه مع الفعل المؤثم . ولا وجه للمحاجة في هذا المقام بأن الفقرة الرابعة من المادة 48 المشار إليها تقضي بأنه إذا كان محل الاتفاق جناية أو جنحة عقوبتها أخف مما نصت عليه الفقرة السابقة فلا توقع عقوبة أشد مما نص عليه القانون لتلك الجناية أو الجنحة ، ذلك أن محل الاتفاق – كما سبقت الإشارة – قد يكون ارتكاب جناية أو جنحة غير معينة بذاتها وعندئذ توقع العقوبات الواردة في الفقرة الثالثة من المادة وحدها وهي تصل إلي السجن خمس عشر سنة أو الحبس ثلاث سنوات – حسب الأحوال – ولا شك أنها عقوبات مفرطة في قسوتها تكتشف عن مبالغه المشرع في العقاب بما لا يتناسب والفعل المؤثم

وحث أنه لما كان الهدف من العقوبة الجنائية هو الزجر الخاص للمجرم جزاء لما

أقترف ، والردع العام للغير ليحمل ارتكابهم الجريمة على الإغراض عن إتيانها وكانت الفقرة الرابعة من المادة 48 تقرر توقيع العقوبة المقررة لارتكاب الجناية أو الجنحة محل الاتفاق على مجرد الاتفاق على اقترافها حتى ولولم

يتم ارتكابها فعلا ، فأنها بذلك لاتحقق ردعا عاما ولا خاصا ، بل إن ذلك قد يشجع المتفقين على ارتكاب الجريمة محل الاتفاق طالما أن مجرد الاتفاق على اقترافها سيؤدى إلى معاقبتهم بذات عقوبة ارتكابها 0

وحيث إن السياسة الجنائية الرشيدة يتعين أن تقوم على عناصر متجانسة ، فان قامت على عناصر متنافرة نجم عن ذلك افتقاد الصلة بين النصوص ومراميها ، بحيث لاتكون مؤدية إلى تحقيق الغاية المقصودة منها لانعدام الرابطة المنطقية بينها ، تقديرا بأن الأصل فى النصوص التشريعية – فى الدولة القانونية – هو ارتباطها عقلا بأهدافها ، باعتبار أن أى تنظيم تشريعى ليس مقصودا لذاته، وانما هو مجرد وسيلة لتحقيق تلك الأهداف ، ومن ثم يتعين دائما استظهار ما إذا كان النص الطعين يلتزم إطارا منطقيا للدائرة التى يعمل فيها ، كافلا من خلالها تناغم الأغراض التى يستهدفها ، أم متهاد ما مع مقاصده أو مجاوزا لها ، ومناهضا – بالتالى – لمبدأ خضوع الدولة للقانون المنصوص علية فى المادة 65 من الدستور ، متى كان ذلك وكان المشرع الجنائى قد نظم أحكام الشروع فى الباب الخامس من قانون العقوبات ( المواد من 45 إلى 47 ) وهو الذى يسبق مباشرة الباب السادس الخاص بالاتفاق الجنائي ، وكان الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أثره لاسباب لا دخل لارادة الفاعل فيها ، وكان مجرد العزم على ارتكاب الجريمة أو الأعمال التحضيرية لذلك لا يعتبر شروعا ، بحيث يتعدي الشروع مرحلة مجرد الاتفاق علي ارتكاب الجريمة إلي البدء فعلا في تنفيذها وكان الشروع غير معاقب علية في الجنح إلا بنص خاص ، اما في الجنايات فإن عقوبة الشروع تقل درجة عن العقوبة المقررة لارتكاب الجناية أو بما لا يزيد علي نصف الحد الأقصي للعقوبة المقررة للجريمة التامة ، فإذا أعقب المشرع تلك الأحكام بالنص في المادة 48 علي تجريم مجرد إرادة شخصين أو أكثر علي ارتكاب أي جناية أو جنحة أو علي الأعمال المجهزة أو المسهلة لارتكابها أو الجنحة محل الاتفاق ، فانه يكون منتهجا نهجا يتنافر مع سياسية العقاب علي الشروع ومناقضا – بالتالي – للأسس الدستورية للتجريم .

وحيث أن الفقرة الأخيرة من المادة 48 تقرر الإعفاء من العقوبات المقررة لمن يبادر من الجناة بٌإخبار الحكومة بوجود الاتفاق الجنائي والمشتركين فيه قبل وقوع الجناية أو الجنحة محل الاتفاق فإن حصل الإخبار بعد البحث والتفتيش تعين أن يواصل إلي ضبط الجناة ، وذلك ابتغاء تشجيع المتفقين على الإبلاغ بإعفائهم من العقاب على النحو السالف البيان ، إلا أن مؤدى النص أنة إذا ما تم الاتفاق ثم عدل المتفقون جميعا من تلقاء أنفسهم عن المضى فى الاتفاق فان جريمة الاتفاق الجنائي تكون قد وقعت متكاملة الأركان ويحق العقاب على المتفقين ، فيغدو ارتكاب الجريمة محل الاتفاق – فى تقدير المتفقين _ ليس أسؤ من مجرد الاتفاق عليها ولا يكون لتجنب ارتكابها والعدول عن اقترافها فائدة ما ، وهو ما يعنى عدم تحقيق النص المطعون علية للمقاصد التى ابتغاها المشرع
وحيث إن الرقابة القضائية التى تباشرها هذه المحكمة فى شأن دستورية النصوص العقابية ، تضبطها مقاييس صارمة ، ومعايير حادة تلتئم وطبيعة هذه النصوص فى اتصالها المباشر بالحرية الشخصية التى أعلى الدستور قدرها ، مما يفرض على المشرع الجنائي أن ينتهج الوسائل القانونية السليمة سواء فى جوانبها الموضوعية أو الإجرائية لضمان ألا تكون العقوبة أداة عاصفة بالحرية ، وأن تكون العقوبة التى يفرضها فى شأن الجريمة تبور مفهوما للعدالة يتحدد على ضوء الأغراض الاجتماعية التى تستهدفها ، فلا يندرج تحتها مجرد رغبة الجماعة فى ارواء تعطشها للثأر والانتقام ، أوسعيها للبطش بالمتهم ، كما لا يسوغ للمشرع أ ن يجعل من نصوصه العقابية شباكا أو شراكا يلقيها ليتصيد باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها ، وكان الجزاء الجنائى لا يعد مبررا إلا إذا كان واجبا لمواجهة ضرورة اجتماعية لها وزنها ، ومتناسبا مع الفعل المؤثم فان جاوز ذلك كان مفرطا فى القسوة مجافيا للعدالة ، ومنفصلا عن أهدافه المشروعة ، متى كان ما تقدم جميعه فان المادة 48 المشار إليها تكون قد وقعت فى حمأة المخالفة الدستورية لخروجها على مقتضى المواد 41 و 65 و 66 و 67 من الدستور

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة 48 من قانون العقوبات ، والزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنية مقابل أتعاب المحاماة

===============================================================================================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق